الأحد، 29 مارس 2020

الآثار والتداعيات لإنتشار فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي وتوازن الأسواق


Coronavirus: China's small firms at risk while outbreak poses ...
مقدمة
أدى إنتشار فيروس كورونا إلى تداعيات سلبية كيبرة على اقتصاديات الدول المتقدمة والنامية على السواء، وإن كانت التأثيرات على الدول المتقدمة وخاصة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية أكبر من نظيراتها في الصين ودول جنوب شرق آسيا والتي استطاعت أن تتخذ من الإجراءات التي مكنتها من الحد من انتشار الفيروس.
أما على  مستوى الاقتصادي العالمي، فلا شك أن معدل النمو الاقتصادي العالمي المتوقع سيتراجع بشكل كبير نتجية لتوقف التجارة العالمية تحسبا لنقل الفيروس من خلال شركات الشحن. يأتي ذلك في الوقت الذي تعتمد فيه الكثير من البلدان على الواردات الغذائية والصحية لمواجهة استهلاكها المحلي. وهذا معناه أن الدول المصدرة والمستوردة على حد سواء تخشي طول آمد الأزمة الحالية لما لها من تداعيات ليس على مؤشرات الاقتصاد الكلي فقط، ولكن على قدرة الدول على إطعام ومعالجة مواطنيها.وقد ازدادت خسائر الأرواح من جراء تفشي مرض فيروس كورونا (كوفيد-19) بمعدل مثير للقلق بينما المرض آخذ في الانتشار ليشمل عددا أكبر من البلدان.
تحاول الحكومات التدخل في الاسواق لضبطها، وذلك لأن انتشار فيروس كورونا اثر على سلاسل امداد السلع على مستوى العالم، كما أثر على الاسواق المالية، ولا يمكن إغفال أثره الكبير على سوق العمل الدولي.
لذلك سنسعى من خلال هذا البحث التعرف على اثر انتشار فيروس كورونا على قطاع الانتاج (العرض الكلي) وقطاع الاستهلاك (الطلب الكلي)، وكذلك الاثر على قطاع التجارة الخارجية (والتعرف اكثر على خسائر الصادرات)، والتعرف على  تدخل الحكومة في ضبط الاسواق العالمية، كذلك التعرف على الجهود الدولية لمكافحة انتشار فيرس كورونا؟
أولاً: الأثار الاقتصادية الكلية
1)     أثر الأزمة على القطاع الإنتاجي (جانب العرض)
تشير البيانات الاقتصادية الأولية التي حللها مؤتمر (الأونكتاد) في جنيف إلى أن تدابير احتواء الفيروس في الصين –  حيث ظهر تفشي المرض في ديسمبر – قد تسببت بالفعل في "انخفاض كبير في الإنتاج".
إذ تعد الصين المصدر الأكبر في العالم وهي وجزءا لا يتجزأ من شبكات الإنتاج العالمية، قد وطدت نفسها كمزود رئيسي للعديد من مدخلات ومكونات المنتجات المختلفة، مثل السيارات والهواتف المحمولة والمعدات الطبية، وغيرها.
ويورد التقرير أرقاما توضح "انخفاضا كبيرا" خلال الشهر الماضي "في مؤشر المشتريات التصنيعية في الصين –  بحوالي 20 درجة، وهو ما يمثل أدنى حد انخفاض تم تسجيله منذ عام 2004. ويقول التقرير إن هذا الانخفاض يعني انخفاضا في الإنتاج بنسبة 2% سنويا، وهو قد جاء "كنتيجة مباشرة لانتشار فيروس كورونا.[i]
أصبح التاثير الاقتصادي واضحا بالفعل في البلدان الأشد تأثرا بتفشي هذا المرض، على سبيل المثال، ففي الصين، تراجع نشاط قطاعي الصناعات التحويلية والخدمات بشكل حاد في شهر فبراير.  وبينما هبوط النشاط في قطاع الصناعات التحويلية يضاهي مستواه في بداية الأزمة المالية العالمية، ويبدو أن تراجع الخدمات أكبر هذه المره- وذلك بسبب التأثير الكبير الناتج عن التباعد الاجتماعي.[1]
تأثر كوفيد-19  على اقتصاد الصين
2)     أثر الأزمة على قطاع التصدير
تأثر قطاع التجارة الخارجية (الصادرات والواردات)، وتبين المؤشرات الأولية بأن قطاع التجارة الخارجية هو المتضرر الأكبر جراء تلك الأزمة .
هذا، وقد أعلن خبراء اقتصاد تابعون للأمم المتحدة أن الأضرار التي لحقت بالاقتصاد العالمي الناجم عن فيروس كورونا الجديد قد تصل إلى "انخفاض قدره 50 مليار دولار" في صادرات الصناعات التحويلية في جميع أنحاء العالم، خلال شهر فبراير وحده. ومن بين الاقتصادات الأكثر تضررا مناطق مثل الاتحاد الأوروبي (15.5 مليار دولار) والولايات المتحدة (5.8 مليار دولار) واليابان (5.2 مليار دولار). أما بالنسبة لاقتصادات "الدول النامية التي تعتمد على بيع المواد الخام" فإن الشعور بهذه الأضرار "مكثف جدا".
ويقول التقرير التقني للمنظمة التابعة للأمم المتحدة إن انكماشا بنسبة 2% في إنتاج الصين له آثار مضاعفة تظهر على مجمل انسياب الاقتصاد العالمي، وهو ما "تسبب حتى الآن في انخفاض يقدر بنحو 50 مليار دولار أمريكي" في التجارة بين الدول. [ii]
ثانياً: تاثير الأزمة على الاسواق
1)     تدخل الدول في الأسواق لضبط الاسعار
في ظل الاقتصاد الرأسمالي الحر، تقوم الأسواق أو اليد الخفية كما أسماها "أدم سميث" بتحقيق التوازن في الأسواق ولكن هناك حالات تفشل فيها الاسواق في توجيه الموارد وتحقيق التوازن في الأسواق. وبذلك يأتي تدخل الدولة في الاقتصاد، نتيجة لفشل السوق في عدد من الحالات مثل الاثار الخارجية (الايجابية والسلبية)، الوفورات الخارجية، وعدم توفر المعلومات الكاملة. وبالتالي ففي هذه الحالة تتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي لضبط السوق[iii].
ويمثل انتشار الأوبئة وعدم توفر المعلومات الكاملة عن السوق حالة من حالات الفشل التي تستدعي ضرورة تدخل الدولة. ففي حالة عدم تدخل الدولة سكون هناك تأثير سلبي على كلا من جانبي العرض (وتاثر جهاز الانتاج وتراجعه وترجع الواردات التي تمثل جزء من جاب العرض)، وكذلك جانب الطلب (فلابد من تدخل الدولة لحماية الافراد الذين يتعرضون لفقد وظائفهم نتيجة الاوبئة).
ونتيجة لهذا الخلل تقوم الدولة بالتدخل لضبط السوق. ولكن التساؤل الهام، ماذا لو لم تتدخل الدولة؟ لا شك أن حالة عدم تدخل الدولة لن يستطيع السوق الوصول الى التوازن وذلك لان هذه الحالة ستؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في الاسعار، وفقد الافراد الكثير من الوظائف، وتزايد معدلات البطالة.  وبالتالي تدخل الدولة في الاقتصاد يجعل الاقتصاد في حالة توازن ويحافظ على مستويات الاسعار وعدم تراجع الناتج الحقيقي للدول.
Aggregate supply and macroeconomic equilibrium » Revisionguru
فعدم تدخل الدول للسيطرة على تحفيف حدت الاضطرابات بسوقي، الغذاء والدواء، سيعمق من الأزمة، خاصة في ظل توقف الصين، مصدر الفيروس، والتي اضطرت لإغلاق الكثير من منشآتها الصناعية في جميع أنحاء البلاد وذلك في إطار جهودها الرامية للحد من انتشار الفيروس. وبالتالي أصبح الأمر مسألة وقت قبل أن ينعكس توقف المصانع الصينية عن العمل على كثير من سلاسل الإمداد العالمية التي تعتمد على الصين في الكثير من السلع، وخاصة سوق الأدوية.[iv]
2)     انعكاس الازمة على اسواق المال
مع ظهور أزمة انتشار فيروس كورنا، فقد ارتفعت تكاليف الاقتراض يمكن أن ترتفع مع تشديد الأوضاع المالية، ونظرا لتشكك البنوك في قدرة المستهلكين والشركات على سداد القروض في الوقت المحدد لها. ومن شأن ارتفاع تكاليف الاقتراض أن يكشف عن مواطن الضعف المالي التي تراكمت خلال سنوات انخفاض سعر الفائدة، ويؤدي إلى تصاعد المخاطر من عدم إمكانية تمديد الديون. ومن شأن انخفاض الائتمان أن يزيد من تباطؤ النشاط الناجم عن صدمات العرض والطلب.
وعندما تأتي الصدمات متزامنة عبر عدد كبير من البلدان، قد تزداد الآثار عمقا من خلال الروابط التجارية والمالية الدولية، مما يضعف النشاط الاقتصادي العالمي ويدفع أسعار السلع الأولية نحو الانخفاض. وقد هبطت أسعار النفط بشكل كبير خلال الأسابيع الماضية وأصبحت أقل بنحو 30% من مستوياتها في بداية السنة. وكذلك فإن البلدان التي تعتمد على التمويل الخارجي قد تواجه مخاطر من التوقف المفاجئ لهذه التدفقات واضطراب أوضاع السوق، الأمر الذي ربما اقتضى التدخل في سوق النقد الأجنبي أو اتخاذ إجراءات مؤقتة تتعلق بالتدفقات الرأسمالية.[v]
ويوضح الشكل التالي مقارنة بين الازمة المالية العالمية 2008، واحداث 11 سبتمبر، وكوفيد-19، وانعكاسها على مؤشري ستاندرد أند بورز 500، وخطوط الطيران، وقد تشابهت الاثار في الأزمات الثلاثة وانعكاسها على اسعار الاسهم في الولايات المتحدة الأمريكية، وإن كان التاثير على خطوط الطيران اكثر حدة.
ثالثاً: محاولات احتواء انتشار مرض فيروس كورنا
في الإجتماع الأخير لمجموعة العشرين، جائت تعهدات والتزمات من دول العشرين كما يلي: دعم القطاع الصحي، حماية الوظائف والاعمال ودعم قطاع الأعمال لكي يكون قادر على الإستمرار وخاصة الأعمال التي تأثرت أو توقفت اداريا، حماية الدخول للأفراد والمساندة الإجتماعية، الثقة والاستقرار للقطاع المالي وأن يستمر في نشاطه وأن يكون قادر على إدارة نظام المدفوعات وتقديم تسهيلات ائتمانية وتسهيلات في السداد، حماية نظام التجارة العالمية وخفض الرسوم الجمركية لتعزيز الثقة، مساعدة الدول الفقيرة ومنع أزمة ديون من أنها تنشأ، تنسيق الجهود بين المؤسسات الصحية العالمية والإقليمية مع المؤسسات المالية لمواجهة الأزمة الحالية.
 وقد تعدت دول العشرين، بتقديم حزمة مالية قدرها خمسة تريليونات دولار في الاقتصاد العالمي لمواجهة آثار تفشي جائحة كورونا "كوفيد-19"، وبتقديم الدعم للدول النامية لمحاربة الوباء. وأكد زعماء أكبر اقتصادات العالم أنهم سيشكلون جبهة موحدة لمحاربة تداعيات هذه الجائحة العالمية، على الرغم من الانقسام الواضح بينهم، وخاصة التوتر والاتهامات المتبادلة بين بكين وواشنطن على خلفية هذه الأزمة الصحية العالمية.[vi]
خاتمة
توصلنا إلى نتيجة هامة، أن انتشار هذا الوباء، قد أثر بشكل كبير على الاقتصادات المتقدمة، ولا زالت التداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي مع انتشار المرض الذي ضرب الكثير من الدول على مستوى العالم.
كما اثر هذا الفيروس على جانبي العرض والطلب، فقد تأثير القطاع الانتاجي على مستوى العالم، وخاصة الصين المصدر الاول للسلع لمعظم دول العالم، كما  أن فقد الوظائف وتسريح الموظفين يفاقم من مشكلات الجانب الاستهلاكي، أما عن قطاع التجارة الخارجية، فقد وصلت خسائر قطاع التصدير نحو 50 مليار دولار في شهر فبراير وحده. ولازالت هناك محاولات للحد من انتشار هذا الوباء والتي لا شك سيكون لها اثر سلبي على الاقتصاد العالمي.
وكان لازما على حكومات الدول التدخل في مثل هذه الظروف، والتي تمثل أحد حالات فشل السوق، يأتي ذلك في الوقت الذي أوقفت فيه الصين سلاسل الامداد من السلع الوسيطة والنهائية، وكذلك السيطرة على اسواق الأدوية، حيث شمل توقف سلاسل الامداد بالصين مصانع الدواء والمستحضرات الصيدلانية الصينية التي تعتمد عليها أكثر دول العالم في تأمين احتياجاتها من الأدوية مكتملة التصنيع أو من المواد الكيميائية الوسيطة الداخلة في صناعة الأدوية والتي تسمى المكونات الدوائية الفعالة.




[i] الأمم المتحدة، "50 مليار دولار خسائر تأثيرات كورونا" على قطاع التصدير عالميا – تقرير أممي، مارس 2020، على الرابط التالي، https://news.un.org/ar/story/2020/03/1050531
[ii] [ii] الأمم المتحدة، "50 مليار دولار خسائر تأثيرات كورونا" على قطاع التصدير عالميا – تقرير أممي، مارس 2020، على الرابط التالي، https://news.un.org/ar/story/2020/03/1050531
[iii] د. نبيل مرزوق، دور آليات السوق وتدخل الدولة في اقتصاد السوق االجتماعي، جكعية العلوم الاقتصادية السورية، http://www.mafhoum.com/syr/articles_06/marzouk.pdf
[iv] رقام، تداعيات "كورونا" مستمرة .. العالم يواجه شبح نقص الكثير من الأدوية المهمة، https://www.argaam.com/ar/article/articledetail/id/1352967
[v] غيتا غوبيناث، الحد من التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا بوضع سياسات موجهة كبيرة، صندوق النقد الدولي، مارس 2020، على الرابط التالي، https://www.imf.org/ar/News/Articles/2020/03/09/blog030920-limiting-the-economic-fallout-of-the-coronavirus-with-large-targeted-policies 
[vi] فرانس 24، قادة دول مجموعة العشرين يتعهدون بتشكيل "جبهة موحدة" وبدعم الدول النامية ضد تفشي جائحة كورونا، مارس 2020.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق